عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
404
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » جملة من مبتدإ ، وخبر ، فالخبر قوله : « له » و « مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » هو المبتدأ ، وذلك لا يستقيم على الظاهر ، إذ المبتدأ لا يكون جارّا ومجرورا ؛ فلا بدّ من تأويله . واختلف في ذلك : فقيل : المبتدأ في الحقيقة محذوف ، وهذا الجارّ والمجرور صفة قائمة مقامه ، تقديره : « له فيها رزق من كلّ الثمرات ، أو فاكهة من كلّ الثمرات » فحذف الموصوف ، وبقيت صفته ؛ ومثله قول النّابغة : [ الوافر ] 1225 - كأنّك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشنّ « 1 » أي : جمل من جمال بني أقيش ، وقوله تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] أي : وما منّا أحد إلّا له مقام . وقيل : « من » زائدة تقديره : له فيها كلّ الثمرات ، وذلك عند الأخفش ؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئا . وأمّا الكوفيّون : فيشترطون التنكير ، والبصريون يشترطونه وعدم الإيجاب ، وإذا قلنا بالزيادة ، فالمراد بقوله : « كُلِّ الثَّمَراتِ » التكثير لا العموم ، لأنّ العموم متعذّر . قال أبو البقاء « 2 » : ولا يجوز أن تكون « من » زائدة ، لا على قول سيبويه ولا قول الأخفش ؛ لأنّ المعنى يصير : له فيها كل الثمرات ، وليس الأمر على هذا ، إلّا أن يراد به هنا الكثرة لا الاستيعاب ، فيجوز عند الأخفش ؛ لأنه يجوّز زيادة « من » في الواجب . فإن قيل : كيف عطف « وأصابه » على « أيودّ » ؟ وكيف يجوز عطف الماضي على المستقبل ؟ فالجواب : من وجوه : أحدها : أنّ الواو للحال ، والجملة بعدها في محلّ نصب عليها ، و « قد » مقدّرة أي : وقد أصابه ، وصاحب الحال هو « أحدكم » ، والعامل فيها « يودّ » ، ونظيرها : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] ، وقوله تعالى : وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا [ آل عمران : 168 ] أي : وقد كنتم ، وقد قعدوا . والثاني : أن يكون قد وضع الماضي موضع المضارع ، والتقدير « ويصيبه الكبر » كقوله تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ [ هود : 98 ] أي : يوردهم . قال
--> ( 1 ) هو النابغة الجعدي ينظر ديوانه ص 126 ، وخزانة الأدب 5 / 67 ، 69 ، والكتاب 2 / 345 ، ولسان العرب ( وقش ) ، ( قعع ) ، ( شنن ) ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 58 ، وشرح المفصل 3 / 59 ، والمقاصد النحوية 4 / 67 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( خدر ) ، ( أقش ) ، ( دنا ) ، والمقتضب 2 / 138 ، شرح المفصل 1 / 61 ، وشرح الأشموني 2 / 401 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 284 . والدر المصون 1 / 643 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 113 .